عبد القادر الجيلاني

116

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

نتمنى ، وتحصل لك الكرامة العظمى والعزة الكبرى فإن كنت من المقربين الواصلين إليه عزّ وجلّ ممن أدركتهم العناية وشملتهم الرعاية وجذبتهم المحبة ونالتهم الرحمة والرأفة ، فأحسن الأدب ولا تغتر بما أنت فيه ، فتقصر في الخدمة ، ولا تخلد إلى الرعونة الأصلية من الظلم والجهل والعجل في قوله تعالى : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [ الأحزاب : الآية 72 ] ، وقوله تعالى : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [ الإسراء : الآية 11 ] ، واحفظ قلبك من الالتفات إلى ما تركته من الخلق والهوى والإرادة والتخير وترك الصبر والموافقة والرضا عند نزول البلاء ، واستطرح بين يدي اللّه عزّ وجلّ كالكرة بين يدي الفارس يقلبها بصولجانه ، والميت بين يدي الغاسل ، والطفل الرضيع في حجر أمه وظئره ، تعامى عمن سواه عزّ وجلّ فلا ترى لغيره وجودا ولا ضرّا ولا نفعا ولا عطاء ولا منعا ، اجعل الخليقة والأسباب عند الأذية والبلية كسوطه عزّ وجلّ يضربك به ، وعند النعمة والعطية كيده يلقمك بها . المقالة الحادية والخمسون في الزّهد قال رضي اللّه عنه وأرضاه : الزاهد يثاب بسبب الأقسام مرتين يثاب في تركها أولا ، فلا يأخذها بهواه وموافقة النفس ، بل يأخذها بمجرد الأمر ، فإذا تحققت عداوته لنفسه ومخالفته لهواه عد من المحقين وأهل الولاية وأدخل في زمرة الأبدال والعارفين أمر حينئذ بتناولها والتلبس بها ، إذ هي قسمة لا بد له منها لم تخلق لغيره ، جف بها القلم وسبق بها العلم ، فإذا امتثل الأمر فتناول أو اطلع بالعلم فتلبس بها بجريان القدر والفعل فيه من غير أن يكون هو فيه ، لا هوى ولا إرادة ولا همة أثيب بذلك ثانيا ، هو ممتثل للأمر بذلك أو موافق لفعل الحق عزّ وجلّ فيه . فإن قال قائل : كيف أطلقت القول بالثواب لمن هو في المقام الأخير الذي ذكرته من أنه أدخل في زمرة الأبدال والعارفين المفعول فيهم ، الفانين عن الخلق والأنفس والأهوية والإرادات والحظوظ والأماني والأعواض على الأعمال الذين يرون جميع طاعاتهم وعباداتهم فضلا من اللّه عزّ وجلّ ونعمة ورحمة وتوفيقا وتيسيرا منه عزّ وجلّ ويعتقدون أنهم عبيد اللّه عزّ وجلّ ، والعبد لا يستحق على مولاه حقّا ، إذ هو برمته مع حركاته وسكناته وأكسابه ملك لمولاه ، فكيف يقال في حقه يثاب وهو لا يطلب ثوابا ولا عوضا على فعله ولا يرى له عملا ، بل يرى نفسه من البطالين وأفلس المفلسين من الأعمال .